السيد كمال الحيدري
184
أصول التفسير والتأويل
المتتبّع المتأمّل في أخبارهم ، والقول بأنّ الواجب حينئذ أن نختار أحد الأقوال المختلفة المنقولة عن الصحابة في الآية ، ويجتنب عن خرق إجماعهم والخروج عن جماعتهم ، مردود بأنّهم أنفسهم لم يسلكوا هذا الطريق ولم يلتزموا هذا المنهج ولم يبالوا بالخلاف فيما بينهم ، فكيف يجب على غيرهم أن يقفوا على ما قالوا ولم يختصّوا بحجّية قولهم على غيرهم . يقول الغزالي في « المستصفى » : « إنّ من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجّة في قوله ، فكيف يحتجّ بقولهم مع جواز الخطأ ؟ وكيف تدّعى عصمتهم من غير حجّة متواترة ؟ وكيف يتصوّر عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف ؟ وكيف يختلف المعصومان ؟ كيف وقد اتّفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة ؟ ! فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد ، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كلّ مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه . فانتفاء الدليل على العصمة ؛ ووقوع الاختلاف بينهم ؛ وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ، ثلاثة أدلّة قاطعة » « 1 » . على أنّ هذا المنهج « وهو الاقتصار على ما نقل من مفسّرى صدر الإسلام من الصحابة والتابعين في معاني الآيات القرآنية ، يوجب توقّف العلم في سيره ، وبطلان البحث في أثره كما هو مشهود في ما بأيدينا من كلمات الأوائل والكتب المؤلّفة في التفسير في القرون الأُولى من الإسلام ، ولم ينقل منهم في التفسير إلّا معان ساذجة بسيطة خالية عن تعمّق البحث وتدقيق النظر ، فأين ما يشير إليه قوله تعالى : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ ( النحل : 89 ) من دقائق المعارف في القرآن ؟
--> ( 1 ) نقلًا عن الأصول العامّة للفقه المقارن ، مصدر سابق : ص 439 .